1 ـ مع كعب بن مالك:
سيدنا كعب حينما تخلف عن رسول الله في تبوك لم يكن له عذر، وقد قال: << أوتيت جدلاً >>، يعني أوتيت قوة إقناع، فلما عاد النبي عليه الصلاة والسلام، وعكف راجعاً إلى المدينة قال: حضرني حزني، ماذا أقول له ؟ فلما وصل إلى المدينة استقبل المنافقين، واستمع إلى أعذارهم، وقبِلها، منهم ثمانون منافقا، فلما جاء دور سيدنا كعب قال في نفسه: << والله لقد أوتيت جدلاً، وإنني بجدلي أخرج من سخطه ـ أقدم له عذرا محبوكا ـ ولكنني خشيت أنني إذا خرجت من سخطه بجدلي ليوشكن الله أن يسخطه علي >>، علاقته مع من ؟ مع الله، بإمكانه أن يقنع رسول الله، ولكن رأى أن الأمر بيد الله، فلو أقنع النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يكن الله راضيًا عنه ليوشكن الله أن يسخطه علي، قال: << فأجمعت أن أصدقه، فلما وصلت إليه قلت: والله يا رسول الله ما كنت في يوم أقوى ولا أنشط من يوم تخلفت عنك، لا عذر لي، فقال عليه الصلاة والسلام كلمة رائعة:
(( أمّا هذا فقدْ صَدَقَ ))
[ متفق عليه ]
استمع إلى ثمانين منافقاً، وكلهم قدموا أعذارا مقبولة، ووكَّلهم إلى إيمانهم، فلما تكلم هذا الصحابي الجليل الحقيقة بلا مواربة، وبلا كذب، قال عليه الصلاة والسلام:
(( أمّا هذا فقدْ صَدَقَ ))
أرأيت إلى هذه اللقطة، أوتي قوة إقناع بإمكانه أن يخرج من سخطه، لكنه أدرك أن الأمر بيد الله، فهو إن خرج من سخطه ليوشكن الله أن يسخطه عليه، قال: فأجمعت صدقه، هذه واحدة.
2 ـ مع امرأة أنصارية:
اللقطة الثانية أن النبي عليه الصلاة والسلام خطب امرأة فاعتذرت أن تكون زوجة له، فكأن الكلام لا يصدق، امرأة أتيح لها أن تكون السيدة الأولى في مجتمع المسلمين، زوجة خير الأنبياء والمرسلين، وتعتذر !!! طبعاً موقف غريب وعجيب، فسألها، قالت: يا رسول الله، لي خمسة أولاد، أخاف إن قمت بحقهم أن أقصر في حقك، فالله لا يعذرني، وأخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهن، هذا التوحيد، هذا هو التوحيد.
3 ـ مع أمِّ المؤمنين عائشة:
حينما نزلت براءة السيدة عائشة من حديث الإفك، طبعاً تأخر الوحي أربعين يوماً، ولو كان الوحي شيئاً بملك النبي كما يتوهم أعداء الإسلام لقال آية بعد ساعة وبرّأها، الوحي كيان مستقل عن النبي عليه الصلاة والسلام، لا يملك جلبه ولا دفعه، فلما نزل في الوحي ببراءة هذه السيدة المصون رضي الله عنها قال أبوها الصديق: قومي إلى رسول الله فاشكريه، قالت: لا والله، لا أقوم إلا لله، على مسمع النبي عليه الصلاة والسلام، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: عرفت الحق لأهله، هذا هو الصحيح، أرأيت إلى التوحيد ؟
4 ـ مع أبي بكر صِدّيق هذه الأمة:
هل تصدق أن في حياة المسلمين الأولى إنسانين أحبا بعضيهما حباً يفوق حد الخيال كحب الصديق لرسول الله، ولما توفي النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال الصديق ؟ دقق:
(( أَمَّا بَعْدُ ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بلا ألقاب، وهو قد ذاب قلبه ألماً ـ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ))
[ متفق عليه عن عائشة]
أرأيت إلى التوحيد ؟
5 ـ مع سيف الله المسلول خالد:
سيدنا خالد وهو في أوج انتصاراته عزله عمر، وأرجعه جندياً، تصور إنسانًا لواء تسحب منه القيادة، ويبقى جندياً في الفرقة، ماذا يفعل ؟ يحدِث انقلابا، جاء إلى سيدنا عمر فقال له: << يا أمير المؤمنين، لمَ عزلتني ؟ قال: والله إني لأحبك، قال: لمَ عزلتني ؟ قال: والله إني لأحبك، قال: لمَ عزلتني ؟ قال: والله إني لأحبك، يريد جوابًا، فقال له سيدنا عمر: والله يا ابن الوليد ما عزلتك إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله >>، خاف هذا الخليفة العملاق أن يتوهم الناس أن الذي ينتصر هو خالد، لكن الذي ينصر هو رب خالد، فعزل خالدا، وبقي النصر مستمراً من أجل التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
5 ـ مع الفاروق عمر:
القصة الأولى:
أيها الإخوة الكرام، سيدنا عمر وهو يخطب قطع الخطبة، وقال: << يا ابن الخطاب، كنتَ راعياً ترعى الإبل على قراريط لأهل مكة >>، وتابع الخطبة، ليس هناك علاقة أبداً.
أحيانا بعض المحطات الإذاعية تقطع البث، ويستبدلونها بدعاية ليس لها علاقة بالمضمون إطلاقاً، ثم يعود المضمون، ما فهم الصحابة ذلك، فلما انتهت خطبته سألوه، فقال: << جاءتني نفسي فحدثتني أنه ليس بينك وبين الله أحد، فأردت أن أعرّفها قدرها، >>، كنت راعياً أرعى الإبل على قراريط لأهل مكة
لذلك أيها الإخوة، الدين الحقيقي توحيد، الدين الحقيقي ألا ترى مع الله أحداً، وألا ترى نفسك أيضاً، وألا ترى عملك، إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، لذلك في أي عمل تقدم عليه ينبغي أن تقول: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك، يا ذا القوة المتين، هذا هو التوحيد، ألاّ ترى مع الله أحدا، ألا تحابي أحدا، لذلك قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾
( سورة الأحزاب)
هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله أليسوا أُمَناء ؟ نعم، أليسوا صادقين ؟ أليسوا ورعين ؟ أليسوا مصلين ؟ أليسوا صائمين ؟ لماذا أغفل الله كل صفاتهم، واكتفى بصفة واحدة ؟ قال علماء البلاغة: لأن هذه الصفة مترابطة مع الموصوف ترابطا وجوديًا، فإذا ألغيت الصفة ألغي الموصوف، كيف ؟
تقول: طائرة كبيرة، والباخرة كبيرة، طائرة غالية الثمن، واليخت غالي الثمن، طائرة جميلة، واليخت جميل، أما الطائرة فتطير، هذه صفة خاصة بالطائرة، فلو ألغي طيران الطائرة ألغيت الطائرة، لذلك هؤلاء الدعاة إذا وحّدوا، ولم يروا مع الله أحدا، ولم ينافقوا، ولم ينطقوا بكلام ليسوا قانعين به، ولم يسكتوا عن حق خوفاً من قوي، ولم ينطقوا بباطل إرضاء لقوي، هؤلاء هم الدعاة، فإن لم يكونوا كذلك سقطت دعوتهم، وانتهوا، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾
( سورة الأحزاب)
بعد هذه الصفة لا داعي للحديث عن صدقهم وأمانتهم، وصلاتهم وصيامهم، القرآن جامع مانع، فيه إيجاز، لذلك أيها الإخوة صدقوني، ولا أبالغ: إن لم تكن موحداً فلا جدوى من إيمانك إطلاقاً، إن لم تر أن يد الله تعمل وحدها، وأن الله بيده كل شيء، وإليه يرجع الأمر كله، فاعبده وتوكل عليه فلستَ موحّدا.
ﺟﺰﺍﻙ ﺍﻟﻠﻪ خيييييير غلاااااتي
ﻧﻨﺘﻈﺮ ﺍﺑﺪﺍﻋﺎﺗﻚ ﺍﻟﺠﻤﻴﻠﺔ ﺑﻔﺎﺭﻍ ﺍﻟﺼﺒﺮ